في ضيافة التوحيدي

يالهذا الشخص ما أنبهه وما أقدره على أن يشعل الكلام لهباً، انقطعنا عنه لفترة غير قصيرة وها نحن نجد منه رسالة يقول فيها:


”من أي نواحي الأرض أبغى وصالكم وأنتم ملوك ما لمقصدكم نحو؟


كتبت إليكم يا أحباب قلبي، وروّاد شربي، وطلاب قربي، عن قلب يلتهب أسفاً عليكم، وشوق يعصر الدموع إليكم، ونهار متعب في توقع لطفكم..فيا أحبابي، ارحموني في أوصابي، وإن استوحشتم لتقصير مني، فاستأنسوا بما ألقيته عليكم عني، أنا وحياتكم إليكم ذو صبابة، لكني أشتمل من أجلكم على مهابة، وحافظوا على ما تحملت فيكم، فقد شربت العلقم في هواكم، وداريت العدى تجملاً لكم، ولزمت الصمت حتى نسيت الكلام، واعتزلت حتى قيل هو من الوحش. فكيف ولي شهود في محبتكم عدول: ذوب جسم، وانتكاث بشاشة، وانهمال دمع، ووحشة وحدة. هذه بيناتي في محنتي، فأين أنتم من مجازاتي ومكافأتي؟ يا أحبائي، إذا قرأتم كتابي فتفضلوا عليّ بالقدوم إلى مجلسي يوم غد لترعوا حالي وتنظروه".


أتينا ملبين دعوة مضيفنا، استقرينا في أماكننا واحداً تلو آخر في مجلس التوحيدي الذي اعتاد أن يستقبلنا متداولين به ما يعتمل في دواخلنا من أسئلة علّها تجد قلباً وعقلاً لمس حدساً ينيرنا. وكنّا قد انقطعنا عنه لخلاف دبّ بين أعضاء المجلس؛ ولا نعرف إن كان يعود للمجلس ألقه ووهجه.


وعرفت من أبي حيان أنّ أول الحضور كان ابن باجه كعادته؛ لحقه النوشجاني الذي لم نتوقع حضوره بعد الخلاف الأخير؛ وكنا آخر الواصلين مكاتبكم والرازي الذي ما أن رأى النوشجاني حتّى بدى على وجهه الامتعاض. أخذ الجميع أخبار بعض ودار المشرب بيننا، بدأ التوحيدي بعد تحية خصّها للنوشجاني عبر فيها عن كثير شوقه وشوق روّاد مجلسه للقياه بسنّ موضوع اليوم ووجهته بأن تكون مراوحة الحديث ما بين استرشادات رواد المجلس وبين ردود النوشجاني. 


بدأ مضيفنا بقول "بعد أن عشت وحدتي وعزلتي، كل ما كان يدور ببالي هو سؤال أطلت النظر فيه ولم أصل به إلا حيرة مستمرة: ما الإنسان؟" فقال النوشجاني: هو شخص بالطينة، ذات بالروح، جوهرٌ بالنفس، إله بالعقل، كلٌّ بالوحدة، واحد بالكثرة، فان بالحس، باق بالنفس، ميت بالإنتقال، حي بالاستكمال، ناقص بالحاجة، تامٌ بالطلب، حقيرٌ بالمنظر. فهبّ الرازي مقاطعاً: كيف يكون الإنسان حقيراً وهو أحسن التقاويم؟. عندها تدخل مسكويه وكان أقرب الحضور للرازي بأن ربت على يديه مهمهماً: دع للضيف أن يتمّ كلامه. فقال النوشجاني وهو لا ينظر للرازي: تأيدوا، وتثبتوا، فليس التسرع بالإنكار من أخلاق بغاة الخير، وسجايا طالبي الحق. لأكمل وكررها هو حقير بالمنظر، خطير في المخبر، لبّ العالم، فيه من كل شيء شيء، وله بكل شيء تعلّق، صحيح النسب إلى من نقله بالعدم، قويّ السبب بمن سيعيده عن أممٍ. وأخبار الإنسان كبيرة، وأسراره عجيبة، من عرفه فقد عرف سلالة العالم ومصاصته. قد حوى جوهره شبهاً من كل ما يعرف ويرى، فهو مثال لكل غائب، وبيان لكل شاهد، عجيب الشأن، شريف البرهان، غريب الخبر والعيان.


فالتفت الرازي لأبي حيان: ألم تكن أنت القائل إن الإنسان قد أشكل عليه الإنسان؟ فما قولك بما قاله النوشجاني من إطلاقات مريبة.


عدّل التوحيدي من جلسته موجهاً كلامه للرازي يا صاحبي، إن أسرار الإنسان في نفسه، وأسرار نفسه فيه غريبة؛ بديعة لا تستوعب بتحصيل، ولهذا يجب البحث والنظر على طول الزمن، فما قاله النوشجاني هي معانٍ استقام عودها في نفسه؛ فلا تكترث ببعض التقصير في اللفظ؛ فمتى جمع اللفظ ولم يؤاتِ، فالزمن كفيل بتدليله.


تمّم ابن باجه بحكمته وحفاظه على ألفة المجلس: الإنسان فيه أمور كثيرة، وإنما هو إنسانٌ بمجموعها. عندها عاد التوحيدي للمسك بدفة الحديث وكان بادياً على وجهه الفرح والأنس منتقلاً من مسألةٍ إلى أخرى مع النوشجاني. أما بالي فارتحل  بعيداً - حتى انفضّ مجلسنا - مع صور كثيرة في مدار “وكان الإنسان أكثر شيء جدلاً”.