سلاسل الرغبة (١): مفتتح

22/05/2021

إنّ ما يُعوز، هو ما يمنح أسباب الوجود

كتاب التاو

إلى ذلك المفهوم الذي يشتبك مع يومنا بأكثر من شكل وأكثر من صفة، ستبدأ هذه السلاسل في رسم امتدادات تروم أن تتقاطع يوماً ويكون رأي. لكن قبل الشروع، دعنا نذهب في ضيافة المفهوم ونرخي الأسماع ونطيل الصمت عند الرغبة، علّه ينير لنا الطريق إلى ماهية الرغبة المتنقلة بين الحقول العلمية والحِكَمية والتي وجَدت أجود ضيافةً لها في حقل التحليل النفسي في القرن الماضي، وبقيت ما سبق ذلك التاريخ موشومةً بصيغةٍ سلبية بانتسابها لعائلةً من المفاهيم، كاللذة والشهوة في النصوص الدينية والفكرية، إلا لمن أطال النظر كالغزالي وسبينوزا اللذين ستفرد لهما حلقة من حلقات السلاسل لمواجهة على كلماتٍ متقابلين، علماً بأنهما سيسعدان بها كما نحن! 


عند الذهاب إلى التاريخ المدوّن عن الرغبة، نجد ثلاثة أفهام رئيسية؛ تدور حولها الآراء، رأيٌ بدأه أفلاطون في مأدبته على لسان سقراط وهو أعلى الأفهام التصاقاً بالرغبة ويدور فلكه حول “أنّ من يرغب في شيءٍ ما يكون مفتقراً إليه، وأنّ من لا يتوق لشيء لا يكون في عوزٍ له” وما الافتقار إلا رفيق النقص؛ وامتدّ هذا الفهم من أفلاطون واستمر يتشكّل في أحضان شوبنهاور وفرويد ولاكان في انزياحات بسيطة ترتكز على ارتباط الرغبة بالنقص.


فهم آخر لم يستثمر رغم وجوده على قارعةِ طريقٍ أكثرنا المرور عليه، نجد ابن منظور في لسانه يقول عن الرغبة “هي السؤال والطمع! وقيل سعة الأمل وطلب الكثير؛ والأرض الرُغُب التي تأخذ الماء الكثير!” وما علامات التعجب إلا من عند كاتب هذه الأحرف يحاول جاهداً أن تقف أيها القارئ الجليل عند هذا المعنى الطريف والذي أظنّه مفتاحاً سيسمح في نهاية هذه السلاسل لمحاولة اجتراح فهمٍ جديدٍ عن الرغبة يقف في منطقة بكر بين الفهم الأول والفهم الثالث التالي لهذا المقطع.


أما الفهم الذي أتاح لتاريخ الفكر إعادة النظر في مفهوم الرغبة، هو الإسهام المحوري لسبينوزا عندما أتاح للفكر النظر في الرغبة بعيداً عن قرينة النقص وربطها بالوعي المميّز للإنسان وأنها أساس كل الأهواء والإنفعالات - رغم أن بذرة قرن الرغبة بالفعل والإنفعال كانت من عند الغزّالي - والذي سيسمح لاحقاً لظهور كتاب “أوديب مضاداً” ليقول لنا إن الرغبة منتجة، وهذا التحول في مفهوم الرغبة هو ما يجعلنا نسمي هذه الحلقات ”سلاسل الرغبة” لما في المفهوم من قدرة على التشكّل والدوران والعودة إلى نفس النقطة بعدة مسارات غير منتهية، ولعمري إن الرغبة لا تفتئ تقودنا وتقود نفسها إلى المفاجئة ذاتها: ألاّ استحكام ولا وقوف!


ستحاول هذه السلاسل المتفرقة والمرتبطة في نسيجٍ ضام، أن تقول شيئاً عن الرغبة من خلال الدوران الدائم على نفسها إلى أن يقودها فعل التفلسف إلى الخروج عن ذاتها؛ لكن قبل هذا كله. لمَ التورّط بالرغبة في تاريخ الفلسفة؟


إنّ الخطاب الفلسفي لا يملك في النهاية سوى بعداً وحيداً هو التشبث الغريب بالخسران، والرغبة في عدم التفريط في "الرغبة" التي تفجر كل نشاط إنساني وتفصله عن ذاته في انتظار تحققها. بيدَ أنّ الأمر يتعلّق باللغة ذاتها بأسرها أكثر منه بحمل أنفسنا على الكلام الذي يضنينا تقطّعه، وبما أننا نتكلم ونفعل ونحيا تحت وطأة انتظارات لا حدّ لها إلا الموت، فإننا لا نستطيع الخروج من هذه الحلقة التي يقدم فيها الغيابُ نفسه كحضور، والتي يكون فيها الحضور مشوباً بالغياب. ونعني بذلك أنّ من يريد أن يثقل كاهل نفسه بمعطى دون كلام، وبكمالٍ دون نقصان وبليلٍ دون أحلام لا يعدّ إنساناً؛ ولهذا السبب الوحيد سوف نتفلسف إذاً، وهو أنه ليس بوسعنا أن نُفلت من هذه الحقيقة المتمثّلة في: "تأكيد حضور النّقصان بواسطة اللغة والكتابة".


إن معالجة سؤال "لماذا نتفلسف؟" تقف على علةٍ لعينة: إن علّة التفلسف تكمن في أن نرغب وأن ننتظر، وأنّ الرغبة تتضاعف بالسؤال عن أهوائها الخاصة. وإذا كان التفلسف يدلّ على الاستسلام لنقصٍ نحن مطالبون بتأكيده لا بإنكاره، وإن كان التعليم يدلّ على إيضاح ماليس بوسعنا أن نفهمه بأنفسنا، فإنّ (الكتابة لنتعلم!) تكون هنا محورية، حتى في التعامل مع مفارقة إنتهاك الحدود الفاصلة بين حقول الحياة والمفاهيم المقصودة والمتعمّدة من قبلنا، بربط الرغبة بالانتظار والفعل والكلام، حول حدّ لا مرئي بين الحضور والغياب. فهل يعني أن نرغب أن نسكن في أفقِ انتظار واعٍ؟


وإمكان الرغبة نفسه يدل حقاً على انتظار حضور الغائب، وكل حكمة تقوم على الإصغاء بانهمام وانتظار إلى ذلك الغياب وعلى الإقامة بالقرب منه. أن نتفلسف ليس معناه أن نرغب في الحكمة بل أن نرغب في الرغبة ذاتها. لا يوجد في الفلسفة رغبة خاصة، ولا هي تفكّر في مسألة أو مجال مستقل. إن الفيلسوف ليس إنساناً ساذجاً حتّى يقول بعد عسر تفكير: "إنهم غفلوا عن التفكير في الإنسان وفي التاريخ وفي المكان وفي الوجود والموجود، ويجب عليّ أن أتدبر كل هذا"، بل هي تلك المحاولة لأن نتفلسف في حدّ ما نفكر به، وفيما يتجاوزه في نفس الوقت. 


إذاً لا توجد رغبة خاصة بالفيلسوف، و"كل مادة بالفلسفة هي حسنة بشرط أن تكون الفلسفة غريبة!" غير أنه توجد طريقة خاصة بالفيلسوف في التعامل مع الرغبة ومع انتظاره الخاص. وإننا ندرك الآن هذه الخصوصية وهي أن الرغبة تنعطف مع الفلسفة وتنعكس على ذاتها وتصبح رغبة في الرغبة كي لا تميل بنا عن مواجهة ذلك الانتظار المرعب، انتظار الموت. وهو ما يثير سؤال: لمَ نرغب؟ فإن الجواب على سؤال "لم نتفلسف؟" يوجد في السؤال الذي لا مفر منه: "لم نرغب؟"، والرغبة التي تمثّل الفلسفة ليست أقلّ إنحباساً من أيّ رغبة كانت غير أنها تتضاعف وتضع نفسها موضع سؤال في حركتها ذاتها.


وليس من الصدفة بشيء أن تكون أولى الفلسفات الإغريقية، أبعد ماتكون عن الفلسفة بالمعنيين السقراطي والمعاصر، مسكونة بسؤال الواحد والمتعدد الذي يشكل سؤال الرغبة، ومسكونة في نفس الوقت بسؤال مشكل اللوغوس الذي يعبّر عن انعكاس الرغبة على ذاتها، وهذا يعني أن التفلسف هو الاستسلام للرغبة، وأنّ التفكّر فيها والإفادة منها يسير جنباً إلى جنب مع الكلام والكتابة.


وفيما يخص واقعنا اليوم، إذا نحن تساءلنا : "لماذا نتفلسف؟" فإنه يكون بوسعنا دوماً أن نجيب عن طريق الاستفهام: "لماذا نرغب؟ لماذا ننظر وننتظر؟ ولماذا يوجد في كل مكان الشيء عينه الذي يبحث عمّا يغيب عنه؟". وبوسعنا أن نُجيب دوماً وفي ترقّب الجواب الأفضل: "إننا نتفلسف لأننا نرغب وننتظر".


مالمغزى من التفلسف إذاً؟ بما أنّ الرغبة موجودة وبما أنّ الانتظار يصحبنا أبد الدهر، وبما أن الغياب ماثلٌ في الحضور وكما الموت في الكائن الحي؛ ومادام ثمة فارق بين الواقعة والفعل، بين الفكرة والتجسيد؛ وأخيراً بما أننا لا نملك القدرة على الإفلات من ذلك فلنستهدف حضور النقص في كلامنا! وفي الختام، كيف لنا ألا نتفلسف؟