هايدغر الثعلب..حنّة والقراءة الرمزية

مقدمة

كتبت حنّة هذا النص في مذكراتها في عام ١٩٥٣، أي بعد ما يقارب على ثلاثة عقود من بداية علاقتها العاطفية بهايدغر؛ قدرة حنّة على القراءة مهيبة وتبين عن آلة حفر ذهنية عميقة. في جلّ كتبها هناك ما يميّز نصوصها، وهو الربط الفاتن بين أمور بعيدة عن الربط المباشر وخلق أرضية جديدة من خلال تلك الروابط، أترك لكم نص يبين عما أقصد. 


هايدغر الثعلب**

يذكر هيدغر بكل فخر واعتزاز "يقولون عني، أنني ثعلب". دعوني أروي لكم القصة الحقيقية لهيدغر الثعلب:


كان في ماضي الأيام ثعلبٌ يفتقرُ إلى المكر، ما جعله دائم الوقوع في فخ المصائد، ليس هذا وحسب بل لم يكن يستطع التمييز بين المصيدة وغيرها. إضافة إلى افتقاره للمكر، كان الثعلب يعاني مصيبة أخرى، فروته الضعيفة، وبالتالي كانت تعوزه الحصانة الطبيعية ضد قساوة حياة الثعالب. فبعدما قضى هذا الثعلب كل شبابه في الوقوع في مصائد الآخرين، ولم يبق من فروته ما يسعفه على المواجهة، قرر أن ينعزل تماماً عن عالم الثعالب، وذهب لبناء الوِجَار الخاص به. وعلى الرغم من تكرار وقوعه في فخّ المصائد إلا أنه بقيَ فاقداً للتمييز بين المصيدة من غيرها، ومع ذلك خطرت بباله فكرة إبداعية لم يسبقه إليها أحد: لقد بنى مصيدة واعتبرها بيته ومسكنه، وقدمها كوجار* طبيعي (لا من باب الدهاء، بل لأنه كان يعتقد دائماً بأن مصائد الآخرين هي منازلهم)، وقرر ذات يوم أن يصبح ماكراً بطريقته من خلال تفصيل المصيدة التي بناها بنفسه كي تناسب الآخرين، على أنها لم تناسب غيره. ويؤكد هذا جهله الشديد بطبيعة المصائد، فلم يكن بإمكان أحد أن يدخل مصيدته، لوجوده فيها . وهذا ما أزعجه، في نهاية المطاف يعرف الكل بأن الثعالب -  على الرغم من مكرها - تسقط عادة في فخ المصائد. لماذا لا تماثل مصيدةً من صُنع ثعلب - خصوصاً من ثعلب اختبر الكثير من المصائد، أكثر من كل الثعالب الأخرى - مصائد من صنع البشر والصيادين؟ الجليّ أن المصيدة لم يكن من الممكن التعرف عليها كمصيدة بالشكل الذي ينويه. هنا خطر ببال ثعلبنا فكرة تزيين مصيدته أحسن تزيين ووضع علامات في كل مكان، تقول بكل وضوح: هلموا، هنا مصيدة، أجمل مصيدة في العالم. ومنذ هذه اللحظة اتضح بأنه لا يمكن لأي ثعلب أن يقع في فخ هذه المصيدة غافلاً . إلا أن الكثير أتى؛ ذلك أن هذه المصيدة بمنزلة مسكن لثعلبنا. فإن أردت زيارته في مسكنه، كان حتماً عليك أن تقع في مصيدته. وبالطبع يمكن لأي أحد، عدا ثعلبنا، الخروج منها. فقد كانت مفصلة عليه بكل دقة. مع ذلك، الثعلب الذي كان يسكن المصيدة، قال بكل فخر واعتزاز: "الكثيرون يزورونني في مصيدتي، لقد أصبحت أفضل ثعلب". وفي الأمر بعضٌ من حقيقة: لا يعرف أحداً طبيعة المصيدة وحقيقتها، إلا من سكن مصيدة حياته بأكملها. 



*الوجار: بيت الثعلب

**ترجمت النص من اللغة الإنجليزية لكتاب حنّة Essays on Understanding للمترجم Jerome Kohn